سيد قطب
3417
في ظلال القرآن
بعد فترة مقدورة في تدبير اللّه . . إذا هي ما ذا ؟ إذا هي إنسان ! وإذا هذا الإنسان ذكر وأنثى ! كيف ؟ كيف تمت هذه العجيبة التي لم تكن - لولا وقوعها - تخطر على الخيال ؟ وأين كان هذا الإنسان المركب الشديد التركيب ، المعقد الشديد التعقيد ؟ أين كان كامنا في النقطة المراقة من تلك النطفة . بل في واحد من ملايين من أجزائها الكثيرة ؟ أين كان كامنا بعظمه ولحمه وجلده ، وعروقه وشعره وأظافره . وسماته وشياته وملامحه . وخلائقه وطباعه واستعداداته ؟ ! أين كان في هذه الخلية الميكروسكوبية السابحة هي وملايين من أمثالها في النقطة الواحدة من تلك النطفة التي تمنى ؟ ! وأين على وجه التخصيص كانت خصائص الذكر وخصائص الأنثى في تلك الخلية . تلك التي انبثقت وأعلنت عن نفسها في الجنين في نهاية المطاف ؟ ! وأي قلب بشري يقف أمام هذه الحقيقة الهائلة العجيبة . ثم يتمالك أو يتماسك . فضلا على أن يجحد ويتبجح ، ويقول : إنها وقعت هكذا والسلام ! وسارت في طريقها هكذا والسلام ! واهتدت إلى خطها المرسوم هكذا والسلام ! أو يتعالم فيقول : إنها سارت هذه السيرة بحكم ما ركب فيها من استعداد لإعادة نوعها ، شأنها شأن سائر الأحياء المزودة بهذا الاستعداد ! فهذا التفسير يحتاج بدوره إلى تفسير . فمن ذا أودعها هذا الاستعداد ؟ من ذا أودعها الرغبة الكامنة في حفظ نوعها بإعادته مرة أخرى ؟ ومن ذا أودعها القدرة على إعادته وهي ضعيفة ضئيلة ؟ ومن ذا رسم لها الطريق لتسير فيه على هدى ، وتحقق هذه الرغبة الكامنة ؟ ومن ذا أودع فيها خصائص نوعها لتعيدها ؟ وما رغبتها هي وما مصلحتها في إعادة نوعها بهذه الخصائص ؟ لولا أن هنالك إرادة مدبرة من ورائها تريد أمرا ، وتقدر عليه ، وترسم له الطريق ؟ ! ومن النشأة الأولى . وهي واقعة مكرورة لا ينكرها منكر ، يتجه مباشرة إلى النشأة الأخرى . « وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى » . . والنشأة الأخرى غيب . ولكن عليه من النشأة الأولى دليل . دليل على إمكان الوقوع . فالذي خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى ، قادر - ولا شك - على إعادة الخلق من عظام ورفات . فليست العظام والرفات بأهون من الماء المراق ! ودليل على حكمة الوقوع . فهذا التدبير الخفي الذي يقود الخلية الحية الصغيرة في طريقها الطويل الشاق حتى تكون ذكرا أو أنثى . هذا التدبير لا بد أن يكون مداه أبعد من رحلة الأرض التي لا يتم فيها شيء كامل ؛ ولا يجد المحسن جزاء إحسانه كاملا ، ولا المسئ جزاء إساءته كاملا كذلك . لأن في حساب هذا التدبير نشأة أخرى يبلغ فيها كل شيء تمامه . فدلالة النشأة الأولى على النشأة الأخرى مزدوجة . ومن هنا جاء ذكرها هكذا قبل النشأة الأخرى . . وفي النشأة الأولى . وفي النشأة الأخرى . يغني اللّه من يشاء من عباده ويقنيه : « وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى » . . أغنى من عباده من شاء في الدنيا بأنواع الغنى وهي شتى . غنى المال . وغنى الصحة . وغنى الذرية . وغنى النفس . وغنى الفكر . وغنى الصلة باللّه والزاد الذي ليس مثله زاد . وأغنى من عباده من شاء في الآخرة من غنى الآخرة ! وأقنى من شاء من عباده . من كل ما يقتنى في الدنيا كذلك وفي الآخرة ! والخلق فقراء ممحلون . لا يغتنون ولا يقتنون إلا من خزائن اللّه . فهو الذي أغنى . وهو الذي أقنى . وهي لمسة من واقع ما يعرفون وما تتعلق به أنظارهم وقلوبهم هنا وهناك . ليتطلعوا إلى المصدر الوحيد . ويتجهوا إلى الخزائن العامرة وحدها ، وغيرها خواء !